تجّار البشر

Hiba EL ACHKAR
Mardi 20 avril 2021
Organisateurs


 تتعدّد أوجه لاتّجار بالأشخاص وما يعنيه هذا التّعبير خصوصًا في عبارة تجنيد الأشخاص وما يترتب عنها من أشكال خداع أو استغلال الّذي يشمل السّخرة والخدمة قسرًا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشّبيهة بالرّقّ، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء. وكان للقاضي فيصل مكّي سنة ٢٠١٤ في مجلّة العدل كلمة اختصر فيها أوجه الاتّجار بالأشخاص وتحدّث عن تطوّر الاتجار مع احتراف أساليبه وتفاقم انحطاط المعايير الأخلاقيّة والإنسانيّة.

 

اليوم، وبعد الإعلان عن كوفيد -١٩- كحالة طوارئ عالميّة من قبل منظّمة الصّحّة العالميّة،وما رافقها من نزاعات سياسيّة، وإقتصاديّة، وإجتماعيّة، تفشّى وباء حديث، وباء استفحل في المجتمعات، إنّه وباء تخلّفٍ مُعصرَن، تخلّف عن احترام القيم، وتخلّف في التّصدّي لخروقات المعايير الأخلاقيّة والإنسانيّة.

 

ففي ظلّ التطوّر الرّقميّ، تنوّعت أوجه هذا الاختراق وطوّرت في أساليبها مُحترفةً الفضاء الرّقميّ ومعتمدةً على بثّ "الإشاعات" وفق أنظمة مُتعمّدة،. انطلقنا من مؤشّر الإشاعات، لأنّه الأكثر تأثيرًا على حياة البشر الآن. فقد أثّر في مستويات وجوانب متعدّدة من حياة الإنسان وفي طليعتها الجانب الصّحّيّ.

 

عندما يتفشّى وباء معيّن، يتوجّب على منظّمة الصّحّة العالميّة أن تنصّ وترسل الإرشادات والمعلومات الوافية كافّة، إلّا أنّ ما شهدناه من ذبذبات إلكترونيّة وفيديوهات ومقالات وتسجيلات تتناقض في ما بينها وتتقارب من حيث مبدأ بثّ الإشاعات، أدّى إلى زعزعة الثّقة بمنظّمة الصّحّة العالميّة، كما أسهم في تغييب المواقع العلميّة القادرة فعليًّا على الإجابة على كلّ الأسئلة بعلميّة وشفافيّة لحماية صحّة الإنسان. سنغضّ النّظر قليلًا عن الإشاعات بين الأفراد، وسنركّز على الإشاعات والمعلومات الصّادرة عن أصحاب الاختصاص، فهل هم فعلًا أصحاب إختصاص؟ أم جماعة تعمل لصالح تجّار ما؟ أم أنّ بعضهم أُجبر تحت ضغط ما على التكلّم؟

 

الوباء عالميّ، انتشر في العالم ولم يفرّق بين دولة وأخرى، ولكن قدرات الدّول لا تتساوى في مواجهته ومواجهة ما خلّفه من تأثيرات صحّيّة، واجتماعيّة، واقتصاديّة. ومن هنا سنوجّه البوصلة نحو الاستغلال العالميّ للإنسان الّذي تكشّفت غالبًا أوجهه في البلدان الأكثر تأثّرًا صحّيًّا وإقتصاديًّا. فشُوّشت أذهان النّاس بمستوياتهم كافّة، طبيبًا كان أم نجّارًا، ربّة منزل أم ممرّضة... رُوّج لمعلومات مغلوطة تهدف إلى خلق فتن بين أهل الدولة الواحدة وبين بعض الدّول معًا، وخير دليل "لبنان" الّذي سيطرت على ناسه الإشاعات بعد تفشّي وباء كورونا، فالإشاعات في لبنان ضربت الكيان الطبّيّ الّذي تجلّى بمشهديّات متناقضة وآراء متشتّتة، حجبت الوعي عن الشّعب ومنعته من استدراك الحقيقة قبل وقوع كارثة انتشار الوباء فيه. إضافة إلى أنّ الفساد فيه والطّرائق الّتي استٌخدمت من كلّ الأطراف في معاملة النّاس في فترات الحجر القسري، وخصوصًا بعد انفجار ٤ آب، يدلّ على ظاهرة خطيرة وهي استغلال السّلطة أو استغلال أصحاب المصالح للنّاس من خلال تهديد لقمة العيش وترهيب التّعليم الّذي لم يبلغ نجاحه كما يبدو، وتدمير ما تبقّى من اقتصاد البلد ومؤسّساته عبر استغلال أوضاع تردّي العملة الوطنيّة، إضافةً إلى التّصرّفات العابرة للأخلاقيّات الّتي تفشّت وظهرت بأشكال متنوّعة نذكر منها اللّامبالاة عندما يصرخ شعب موجوع.

 

السّبب الرّئيسيّ لتفشّي هذا الوباء المحترف والمعاصر هو تفلّت العالم الرّقميّ، وغياب القدرة الفعليّة على ضبط المواقع وحماية النّاس من التّعدّيات الرّقميّة الّتي تسيطر على صفحاتهم وتظهر دائمًا أمام أعينهم وتتصدّر المشاهدات (وهنا نقصد التفلّت في أثناء الأزمات غالبًا).

 

نحن نعلم جيّدًا أنّ ولوج العالم الرّقميّ بات حاجة ملحّة في حياة الإنسان، ولكن من حقّ المواطن الوصول إلى المعلومات العلميّة الدّقيقة، خصوصًا ما يتعلّق بالصّحّة الّتي تُعدّ تعريفًا موازيًا لمفهوم الحياة، إذ لا حياة حقّة بلا صحّة، وعندما نتكلّم على الصحّة نقصد كلّ جوانبها: جسديّة كانت، أم نفسيّة، أم عقليّة. ومن هنا نسأل: لمَ لَمْ يُنصّ بعد عالميًّا قانون حماية الأشخاص من شتّى أنواع الاستغلال الرّقميّ أكان مباشرًا بالشّخصيّ أم غير مباشر عن طريق التّشويش النّفسيّ والعقليّ؟ فالتّقاعس عن تأمين الحماية يشكّل خطرًا دامغًا فعليًّا يؤثر على مستقبل الإنسان.

 

ألا يُعدّ تفلّت الأمن الصحّيّ، والتّعليميّ، والرّقميّ، والتردّي الأخلاقيّ تجاه النّاس في ظلّ الانهيار الاقتصاديّ، والتّرهيب النّفسيّ استغلالًا واستضعافًا ووجهًا من وجوه الاستعباد والاسترقاق في عالمنا؟ هذا الانحطاط شكّل قنبلة قابلة للانفجار في أيّ لحظة في وجه النّاس العُزّل.

 

احترافيّة التْعدّيّات على حقوق الإنسان تطوّرت بسرعة قياسيّة في ظلّ التّطوّر الرّقميّ، واستطاعت أن تتخفّى مهنيًّا خلف الرّقمنة، ولَبس تعبير الاتّجار بالأشخاص حللًا عصريّة لا بدّ من مواجهتها بحداثة، وكشف الغطاء الحقيقيّ الذّي تلطّت وراءه.    

ألا يحقّ للإنسان أن يواكب أو يرفض التطوّر أو التّغيير التكنولوجي؟ وفي حال أصبح واقعًا مفروضًا عليه ألا يستحقّ الحماية الكاملة؟ فالإنسان نبع الحياة.