الموسيقى والتصوّف

Mira Halabi
Lundi 24 janvier 2022
Organisateurs

لطالما كان للموسيقى حضور مهمّ وأساسيّ في الطقوس التعبّديّة في الديانات والحضارات على اختلافها، حتّى في الإسلام وذلك على الرغم من معارضة جزء كبير من العلماء المسلمين التابعين للإسلام الرسميّ للفنون والموسيقى بشكل خاصّ. فمن الآذان إلى تجويد القرآن إلى تكبيرات صلاة العيد والأنغام التي تُعزف في حفلات الذكر والمولد النبويّ وغيرها من المناسبات، كان للموسيقى دور أساسيّ في معظم الطقوس الدينيّة.

وقد ظهر توظيف الموسيقى والغناء في الدين الإسلاميّ أكثر ما ظهر مع الموسيقى الصوفيّة. فقد عمدت طرق كثيرة من الصوفيّة إلى الموسيقى والرقص، فجعلتهما جزءًا لا يتجزّأ من التجربة الدينيّة الصوفيّة. ذلك أنّ التصوّف الإسلاميّ يرتكز أساسًا على التجارب الفرديّة ممّا يجعل مفاهيمه غير قابلة لأن تُحَصَّل عن طريق الدرس والتحصيل العقليّ. فالطريق الأنسب لفهمها والتحقّق منها يمرّ بالممارسة وخوض تجربة سلوكيّة تغيّر من رؤية الإنسان للحياة وللوجود، وتحوّلها من رؤية مقيّدة للوجود، ترى الفروقات الوجوديّة حقيقة واقعيّة، إلى رؤية لا ترى إلا الإطلاق في ذاته.

وتوطّدت العلاقة بين الصوفيّة والموسيقى عبر الزمن. فمن جهة، لعب المتصوّفة بفضل طقوس السماع عندهم دورًا بارزًا في المحافظة على الموسيقى العربيّة المشرقيّة، ومن جهة أخرى، شكّلت هذه الموسيقى للمتصوّفين القالب الأمثل الذي يحفظ أذكارهم ويستوعبها، ويساعدهم على خوض تجربة روحيّة متكاملة. فالموسيقى بالنسبة إلى الصوفيّ تمكّنه من التقرّب من الله. وبالسماع يتحرّر الصوفيّ من العالم الأرضيّ وينعتق منه لِيَحيا في علاقة اتّصال مع العالم العلويّ.

فالسماع الصوفيّ عبارة عن سفر في النفس البشريّة بهدف تطهيرها، لذلك اجتهد الصوفيّون في الدفاع عنه وإيجاد مسوّغات شرعيّة له. ففصّلوا القول في شروطه وأبعاده ومكوّناته قصد حماية المقبلين عليه من الزلل. وهو أيضًا استنطاق للمسموع إذ يؤدّي إلى تحصيل معرفة أبعد ممّا تدلّ عليه الحروف والكلمات. فالموسيقى تربط العالم الدينيّ بالعالم الدنيويّ. هذا بالإضافة إلى كونه خطابًا عالميًّا امتدّ في عمق الحضارات القديمة والأديان السماويّة.

كما أنّ السماع حاضر في مختلف مراحل الطريق الصوفيّ، فهو يساعد المريد في البداية على تطهير باطنه وترسيخ محبّة الله وعلى التحرّر من سطوة شهوته ونفسه الأمّارة بالسوء. فدور السماع إذًا يعاضد دور الذكر ويتنوّع أثناء ترقّي الصوفيّ في المقامات والأحوال بتنوّع الحاجة والوقت.

وللتراث الصوفيّ فضل كبير على الموسيقى العربيّة فقد ساهم في حفظ جزء كبير منها. من المقامات المختلفة، إلى السماعيّات والبشارف وغيرها من القوالب الموسيقيّة المشرقيّة الأصيلة التي لم تكن لتتبلورَ وتَصِلَنا على الحال الفريدة التي وصلتنا عليها لولا السماع والغناء الصوفِيَّانِ. إضافةً إلى ذلك، للتصوّف أثر عميق الحضور في الموسيقى العربيّة اليوم إذ يشهد عصرنا الحاليّ على إعادة إحياء الموسيقى الصوفيّة بطريقة حداثيّة تتناسب مع ذوق العصر. فبين التجديد والتقليد ودمج الأنواع الموسيقيّة المختلفة، أدّى السماع الصوفيّ إلى خلق نوع من التثاقف. فنتجت عن ذلك أغانٍ وألحان تجمع التقليد الموسيقيّ الصوفيّ بأنماط وأنواع موسيقيّة حديثة ومتعدّدة الخلفيّات والثقافات. وانطلاقًا من هذا النوع الجديد من الفن والموسيقى، تمّ استثمار التراث الصوفيّ العالميّ في بثّ القيم الروحيّة المهذِّبة للسلوك، في زمن تتنامى فيه لغة العنف حول العالم.

ميرا الحلبي