حين تعاتبنا الضّاد

Décembre 2025

يا عاشق الضّاد انّ الضّاد عاتبة         ما بال اسمك باللاتين ينكتب؟ 

أقول قولي ولا أبغى معاتبة             فكلّ طير لمن يهواه يقترب

ارتدت اللغة العربية كفنها بعزّ صباها. بهذين البيتين الشعريين، عاتب أحد الشعراء الإنسانَ بنعومةٍ إهمالَه لغته الأم. عتابٌ يحمل في طيّاته شجنًا يشبه انفصال الروح عن الجسد، كاغترابِ أمٍّ عن ولدها. فالضّاد، رمزُ لغتنا العربية، تلتفت نحونا بحروفها المضيئة لتسألنا برفق: كيف ندّعي حبّها ونحن نهجرها في الكتابة والكلام؟

اللغة العربية ليست مجرّد وسيلة للتواصل، بل حروفٌ تلامس الوجدان، فاتنةٌ بزخرفاتها اللفظيّة كفتاةٍ استلقت في رداء الجمال. بدت هذه اللغة وكأنّها تفقد ملامحها نتيجة إهمالِ نسبةٍ كبيرةٍ من الناس لها وتعلّقهم باللغات الأجنبية، ما يجعلها عرضةً للنسيان، مع الإشارة إلى أنّ لغة الضاد أداةٌ حيويّة للهوية والثقافة والفكر. إلّا أنّها تنزف اليوم بسبب هيمنة اللغات الأجنبية في التعليم والفضاء الرقمي، ما جعل العربية تبدو أقلّ «عمليّة» في نظر البعض، فصار النحو سجنًا بدل أن يكون مفتاحًا للبيان، ونسينا أنّ العربية ليست دروسًا جامدة، بل تجربةٌ نابضةٌ بالفكر والوجدان.

وتزاحمت اللغات الأجنبيّة على ألسنتنا حتى توارت العربية عن فضائنا اليومي، فاختلّ ميزان الفصاحة وتبدّدت هوية الكلمة. لقد أسهم انبهار الشباب بالعولمة في خلق فجوةٍ لغويّة، حيث ارتبطت مظاهر التحضّر بإتقان اللغات الأخرى لا بإتقان لغتهم الأم. فالتحدّث بلسان الآخر أصبح معيارًا زائفًا للتقدّم، بينما الحقيقة أنّ القوّة لا تكمن في التخلّي عن الهويّة، إنّما في الانفتاح الواعي عليها، ناسين أنّ الأمم تتقدّم حين تحافظ على لغتها وتطوّرها، لا حين تتخلّى عنها.

ما تحتاجه الضّاد هو حضورٌ حيّ في مختلف المجالات: التعليم، الإعلام، والتكنولوجيا، بحيث تصبح اللغة إرثًا لا عبئًا على الأجيال، ورايةً تُرفع في ميادين الإعلام. فهل تعاتبنا الضّاد اليوم لأننا نسيناها، أم لأننا لم نمنحها فرصةً لتولد من جديد؟

 

 

  Waed Haj Sleiman L3 ETIB



PARTAGER :