أطلقت جامعة القديس يوسف في بيروت، كلية الحقوق والعلوم السياسية، معهد العلوم السياسية "كرسي جورج قرم للعلاقات الدولية والاقتصاد السياسي وتاريخ الأفكار"، في مبادرة تتجاوز البعد التكريمي لتستعيد فكرًا نقديًا لا يزال حاضرًا في قلب الأزمة اللبنانية.
الندوة التي رافقت الإطلاق، وكانت بعنوان "النضال من أجل المواطنة الديمقراطية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية في لبنان"، عكست هذا التوجّه بوضوح، سواء من خلال محاورها أو من خلال المتحدثين الذين جمعوا بين التجربة الفكرية والممارسة داخل الدولة.
رعى حفل الإطلاق رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ممثلًا بوزير الثقافة غسان سلامة، وشارك في الندوة كل من عميدة كلية الحقوق والعلوم السياسية والوزيرة السابقة الدكتورة ماري كلود نجم، رئيسة معهد باسل فليحان المالي لميا المبيض بساط، الباحث في الجامعة الأميركية في بيروت ونائب رئيس مجلس الوزراء السابق سعادة الشامي، والأستاذ في جامعة القديس يوسف والوزير السابق زياد بارود، فيما أدار النقاش الدكتور كريم إميل بيطار، شاغل الكرسي.
ورغم خيبات الأمل التي واجهها جورج قرم في تجربته الحكومية، وتعثر بعض الإصلاحات التي ألهمها أو سعى إليها، لم يفقد يومًا حسّ الرجاء ولا إرادة المواصلة. من هنا، بدا إطلاق الكرسي الأكاديمي الذي يحمل اسمه امتدادًا طبيعيًا لإرثه الفكري، الذي يجمع بين الالتزام الصارم بالمعايير العلمية ومواصلة النضال من أجل القيم التي آمن بها ودافع عنها.
وقال شاغل الكرسي الدكتور كريم بيطار إن مهامه "ستتركّز على العلاقات الدولية، والاقتصاد السياسي، وتاريخ الأفكار"، مؤكدًا أن التحدي المطروح اليوم لا يتمثّل في إعادة التفكير بالنظام العالمي بقدر ما يكمن في السعي إلى بناء نظام قائم على العدالة، ورفض منطق القوة الذي يعلو على القانون. وأضاف أن هذا الكرسي يُراد له أن يكون مساحة للتفكير النقدي في القواعد الدولية والاقتصاد السياسي، وفاءً لإرث مفكّر لم يكن مثقفًا فحسب، بل صاحب ثقافة إنسانية ومواطنية واسعة، وموسيقيًا أيضًا.
المواطنة والسيادة في رؤية جورج قرم
تمحورت رؤية جورج قرم حول مفهوم "المواطنة اللائكية" (العلمانية)، لا بوصفها خيارًا فلسفيًا مجردًا، بل كضرورة عملية لبناء إدارة عامة فعّالة وتخطيط اقتصادي سليم. بالنسبة إليه، شكّلت الولاءات ما دون الوطنية، وفي مقدّمها الطائفية، العائق الأكبر أمام نشوء العدالة الاجتماعية وبناء دولة قادرة.
وفي هذا السياق، رفض قرم بشكل قاطع اختزال لبنان في دور "الدولة الوظيفية" أو "المنطقة العازلة" (État tampon)، أو التعامل معه كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. كان يرى أن الاستقرار الحقيقي ينبع من الداخل، عبر بناء اقتصاد إنتاجي يحدّ من الارتهان للخارج، ويرفض منطق الوساطة الذي طبع الاقتصاد اللبناني تاريخيًا.
من التنظير إلى الممارسة
في عام 1998، انتقل جورج قرم من التنظير إلى الممارسة، بتوليه وزارة المالية في حكومة الرئيس سليم الحص خلال عهد الرئيس إميل لحود. لم يكن دخوله الحكومة استوزارًا تقليديًا، بل محاولة لترجمة رؤيته السيادية إلى سياسات عامة. غير أن هذه المحاولة اصطدمت سريعًا بما وصفه لاحقًا بـ"بنيان الفساد"، أي منظومة مصلحية عابرة للمؤسسات، تحمي نخبًا اقتصادية وسياسية رافضة لأي مساس بقواعد اللعبة المالية السائدة.
وثّق قرم هذه التجربة في كتابه "الفرصة الضائعة للإصلاح المالي في لبنان"، كاشفًا بنية العوائق السياسية لا من موقع اليأس، بل من موقع التحليل. ورغم قصر عمر تجربته الوزارية، نجح في إحداث خروقات نوعية، أبرزها كسر الأعراف البيروقراطية في التعيينات واعتماد معيار الجدارة، وإعادة الاعتبار للموظفين النزيهين، إضافة إلى كبح صفقات مشبوهة كانت تستنزف الخزينة.
ويُسجَّل له أيضًا أنه كان الصوت الوحيد في مجلس الوزراء عام 1999 الذي عارض التجديد لحاكم مصرف لبنان آنذاك، رياض سلامة، محذرًا من أن السياسات النقدية والهندسات المالية المتّبعة تشكّل “قنبلة موقوتة” ستقود إلى الانهيار، وهو ما تحقّق لاحقًا. وعند خروجه من السلطة، رفض عروضًا استشارية من مصارف كبرى، مفضلًا الحفاظ على نزاهته الفكرية واستقلاليته، في تجسيد نادر لصورة "المثقف المترفع".
استعادة فكر نقدي في زمن الانهيار
في كلمته، شدّد وزير الثقافة غسان سلامة على أن إطلاق الكرسي "يتجاوز البعد التكريمي إلى استعادة فكرٍ نقديٍّ ملحّ في لحظة انهيار وعدم يقين". واعتبر أن الكرسي مدعو إلى مقاربة راهن المنطقة "بشجاعة ووضوح"، مستلهمًا ثلاثة محاور مركزية في أعمال قرم: كتابة تاريخ المشرق من دون تشويه، إدارة التعددية الطائفية بعيدًا عن الاختزال والتقديس، وإعادة التفكير بالعلاقة الملتبسة مع الغرب.
وأشار سلامة إلى أن "ليس ما يبعث على الضيق أكثر من أن تُروى قصتنا من غير أن نجد أنفسنا فيها"، معتبرًا أن فكر قرم منح أبناء المنطقة أولوية السرد من دون الوقوع في فخ "الروايات المصرّح بها". وختم بالقول: "كان جورج مثقفا من أبناء عصر الأنوار… عقلانيًا وذا حس جمالي"، متمنيًا أن يعكس هذا الكرسي "ملامح العقلانية والتعقيد والنزاهة، وبهذا يحفظ ذكراه".
قرم بلسان معاصريه
وقد أجمع المتحدثون على أن جورج قرم كان مفكرًا عمليًا ونزيهًا، سعى لمواجهة الأزمة اللبنانية من منظور بنيوي. فرأى الوزير السابق زياد بارود أن جورج قرم "كان من أوائل من بيّنوا أن أزمتنا ليست ظرفية، ولا مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أزمة بنيوية عميقة"، معتبرًا أن جوهر فكره تمثّل في مساءلة مسؤولية النخب اللبنانية، وتفكيك أسطورة لبنان الليبرالي المزدهر بطبيعته.
أما الوزيرة السابقة ماري كلود نجم، فركّزت على أن مدخل الإصلاح يمرّ عبر سؤال المواطنة الديمقراطية، مشددة على أن تجاوز الطائفية لا يعني المسّ بالحريات، بل تفكيك نظام المحاصصة وتحويل الانتماء الطائفي إلى خيار فردي، في مقابل قانون مدني إلزامي للأحوال الشخصية.
من جهتها، شددت لميا المبيض على أن الإصلاح المالي كان، في فكر قرم، خيارًا سياديًا بامتياز، مؤكدة أن الضريبة ليست مسألة تقنية، بل "أداة أساسية لإعادة البناء"، ولا يمكن لأي مشروع نهوض أن يتحقق من دون نظام ضريبي تصاعدي وعادل.
أما نائب رئيس مجلس الوزراء السابق سعادة الشامي، فرأى أن "الإصلاح المالي لا يزال قابلًا للتحقق"، مستعيدًا تجربة قرم الإنسانية والفكرية، ومشيرًا إلى أن المعركة اليوم تتطلب "بناء تحالف واسع من الإصلاحيين" لمواجهة نفوذ مجموعات المصالح.