إنّ مسألتي الخصوبة والحياة البشريّة الناشئة تشكّلان محورًا أساسيّا في الكثير من المعضلات الأخلاقيّة المطروحة اليوم في عدد من الميادين. على سبيل المثال لا الحصر، نرى مسألة تحديد الحياة البشريّة الناشئة ممرًّا إلزاميًّا لمقاربة التقنيّات الحديثة المساعِدة على الإنجاب، لا سيّما بما يختصّ بهويّة الجنين وكرامته – وما ينتج عنها من توجّهات عمليّة إن من ناحية التجميد أو الوهب أو التلف – ومسائل الإجهاض، ومعضلات البنوّة والأم البديلة، إلخ.
في هذا الإطار، انطلقت، بالتعاون بين المعهد العالي للعلوم الدينيّة في جامعة القديس يوسف وجمعيّة الكتاب المقدّس وجمعيّة «جنين. لمرافقة الخصوبة المتعثّرة»، سلسلة أيّام دراسيّة ترمي إلى تسليط الأضواء على المصادر الإيمانيّة التي تؤسّس لفهم الخصوبة والحياة الناشئة، وتؤهّل بالتالي المرجعيّات المجتمعيّة عمومًا، والدينيّة خاصّةً، في تحديد التعاليم والتوجيهات المناسبة لتعزيز المسؤوليّة الروحيّة والأخلاقيّة المتعلّقة بهذه الميادين. وبعد أن تناول اليومان الأوّلان موضوع الخصوبة والحياة البشريّة الناشئة في الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، وفي الديانات الشرقيّة القديمة، وتوقّف اليوم الثالث عند الحياة البشريّة الناشئة، وهويّة الجنين وكرامته وحقوقه، في مقاربات علميّة وفلسفيّة وكتابيّة وأخلاقيّة، كما عالج اليوم الدراسي الرابع، مسؤوليّة الإنسان الحقوقيّة، مسيحيًّا وإسلاميًّا، تجاه الحياة الناشئة وكرامة الجنين.
ويأتي اليوم الدراسي الخامس، بالتعاون مع الأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكيّة في لبنان، ليطرح المسائل التربويّة المتعلّقة بهذه الإشكاليّة، إن من ناحية الصحّة الإنجابيّة وإن من ناحية احترام الحياة الناشئة، ببعديهما المتكاملين، العلمي والديني، كما يلقي الضوء على ضرورة الانتقال من المقاربات الأحاديّة للخصوبة الإنجابيّة أو الجنسيّة أو النفسيّة أو الاجتماعيّة أو الروحيّة، إلى فسيفساء «الخصوبة الشاملة» في حياة الفرد والعائلة والمجتمع.
نأمل في أن تُسهم هذه الدراسات التي تقوم عليها هذه الحلقات في ترسيخ العناصر المفيدة والناجحة، من ناحية، وفي استنباط الأدوات الفكريّة اللازمة لمواكبة المسارات العلميّة والطبيّة والاجتماعيّة الحديثة، من ناحية أخرى، لما يؤول لخير الإنسانيّة، جماعات وأفراد.