كيف يصبح تعليمنا العالي أعلى؟

محاضرة ألقاها الوزير الأسبق غسّان سلامة في افتتاح الدورة الثامنة والأربعين لاتّحاد الجامعات العربية - جامعة القديس يوسف – بيروت (25 اذار/مارس2015)
Mercerdi 25 mars 2015
11h.oo
Amphitéâtre Pierre Y. AbouKhater - Campus des sciences humaines

Organisateur(s)


أعود اليوم لهذا الصرح الجامعي المكين بشعور ممتزج من الحنين والوفاء. فمنه تخرّجت منذ أربعين عاما ونيف وفي أرجائه علّمت بدوري، في خضم حربنا الأهلية، القانون العام والسياسة الدولية لمدة أعوام سبعة كانت القذائف تتساقط أحيانا خلالها علينا وتقطف في همجيتها عددا من زملائنا وطلبتنا وترغمنا أحيانا أخرى على التدريس في الملاجئ والأقبية. من هنا تهنئتي لأسرة هذه الجامعة في عيدها الأربعين بعد المئة وشكري الصادق لرئيسها وقد دعاني للحديث أمامكم اليوم عن سبل جعل تعليمنا العالي أعلى، مستلهما من تجربة شخصية حملتني لغير جامعة في لبنان والعالم. والحق أني لم انفك يوما أعتبر التعليم الجامعي مهنتي الثابتة غادرتها يوما متأثرا بإغراء السياسة وآخر بغواية الدبلوماسية ولكني عدت اليها دوما بالحماسة عينها لاعتباري الجامعة موئلا يعز فراقه وتستطاب العودة اليه. ويسعدني وانا اقترب من خواتيم هذه التجربة الطويلة ان ألتقي بكم في لبنان الحبيب وان اتبادل معكم أفكارا في مسائل وقضايا تساورنا في الأرجح جميعا. لو نظرنا في أحوال جامعاتنا العربية، وإتحادكم يسعى لربطها وتعزيزها، لذهلنا للفورة الهائلة التي تعصف بها. ففي خلال نحو نصف قرن من الزمن تضاعف عددها مرات عديدة بحيث لا يكاد يمر أسبوع واحد دون ان يسمع واحدنا بمشروع جامعة جديدة هنا او هناك من بلدان العرب. هكذا نتصدى للتحدي الأول الذي يواجهنا وهو الزيادة الهائلة في عدد طالبي التعليم العالي داخل مجتمعاتنا. والحقيقة اننا جزء من تيار واسع اذ يشهد العالم زيادة هائلة في عدد طلاب التعليم العالي وهو ارتفع من 100 مليون في مطلع القرن الحالي الى 220 مليون هذا العام. ويرتفع عدد الجامعات بالتوازي مع زيادة الطلب كما في عالمنا العربي حيث كانت الجامعات تعد فيه، ومنذ أقل من قرن، على أصابع اليد الواحدة بات لدينا اليوم نحو أكثر من 500 جامعة والمجال مفتوح لإنشاء أضعاف هذا العدد. فإن اعتبرنا ان سكان العالم العربي يقاربون سكان الولايات المتحدة برقم يزيد على 300 مليون نسمة فإن عدد جامعاتنا لايمثل اليوم إلا 15 بالمائة من عددها في الولايات المتحدة مما يعني نظريا ان تزايد الجامعات العربية قد يجعل عددها يوما سبعة اضعاف ما هي عليه اليوم. وان صعب علينا تصور حصول ذلك في القريب المنظور فإنه علينا في الأقل ان نعترف بأن طفرة الجامعات الجديدة التي نشهدها منذ نحو عقدين ما زالت في خضمها مما يعني، إن استمرت الوتيرة على ما هي عليه، أن إمكانية وجود نحو الف جامعة عربية أمر قابل للتحقق في خلال عقد من الزمن. لكن كل طفرة تعني في جوهرها التوالد المتسارع وربما المتسرع، بينما تحتاج الجامعات في طبيعتها لقدر مديد من الزمن كي تتأصل وتتطور. من هنا تلمسنا لعدد من المثالب المصاحبة لأي تطور مجتمعي بالغ السرعة وغير متدرج كمثل إنشاء الجامعات بمجرد العدوى أو التماثل السطحي او نتيجة صدور قرار سياسي فوقي بتوزيع الجامعات على عدد المحافظات او على عدد المدن الكبرى لكيلا تعتب أي منها على صاحب القرار، او جراء ولوج المتمولين الى قطاعنا بهدف توظيف فتات من الريع وصل لأيديهم. لا أعترض طبعا على إنشاء جامعات جديدة وارى ان عالمنا العربي يحتاج فعلا للمزيد منها كما لا أقصد ان عراقة الجامعات ضمانة أكيدة لجودتها وفي العالم اليوم أكثر من مثال لجامعات قديمة تسلل اليها التكلس فتدهورت سمعتها وتأخر ترتيبها. ولكني أرى ان نتمهل بعض الشيء قبل الشروع في إنشاء جامعات جديدة فلا نتوقف تماما، سيما وان الحاجة ما زالت قائمة لمؤسسات جديدة، وانما ان نعطي الأولوية لمعالجة المثالب التي رافقت الطفرة الأخيرة وان نهتم بالتأكد من متانة الشهادات التي نسلمها قبل ان نمنح المزيد منها وان ندخل مزيدا من التنوع في طبيعة الجامعات التي نؤسسها بدلا من تكرار إنشاء نموذج شبه واحد منها. تحملني ضرورة هذه المعالجة تلقائيا للتحدي الثاني الذي يواجهنا وهو الثورة الهائلة المتعددة الأبعاد والعظيمة النتائج أي الثورة الرقمية التي تفجرت منذ ربع قرن وما انفكت تتسارع وتيرتها منذ ذلك الحين. ولو شئت التبسيط لقلت ان الأنظار كانت مركّزة خلال العقدين الأولين من هذه الثورة على منتجاتها في مجال التواصل من هواتف ذكية ونقل تلفزيوني مباشر ومراسلة الكترونية وتفاعل عبر القارات. وأصبنا جميعا بالذهول وما زلنا امام تواصل هو، في كل يوم يمر، أفضل وأسرع وأقل كلفة. ثم انتقل الاهتمام الى تأثير تلك الثورة على الاقتصاد ان من خلال التجارة الإلكترونية او من خلال إعادة توزيع مراكز الإنتاج الصناعي على اصقاع الكرة الأرضية. بكلمة بقي التعليم الجامعي الى حد كبير خارج هذه الثورة بإستثناءات محدودة مثل مكننة المكتبات او التقدم بطلبات التسجيل الكترونيا. ولكن من شأن الثورة الرقمية التي بتنا في خضمها التأثير العميق على طرق قيام الجامعات بوظيفتها وعلى أسس إنتاج المعرفة وتعميمها كما على أولويات الجامعات الجديدة التي ستنشأ، ناهيك عن التعديل الجذري الذي تحدثه هذه الثورة في سوق العمل مما له تداعيات كبيرة على ماهية المجالات والمواد التعليمية و بالأخص على سبل تدريسها. ذلك أن الأثر الأوضح لهذه الثورة هو شيوع التعليم عن بعد لاسيما من خلال الإي لرنينغ والموك. وليس الموك برأيي موضة عابرة بل بات جزءا مهما ومتزايدا من التعليم العالي وقد أطلقت جامعة يال هذه السنة برنامجا للدراسات الطبية بنفس عدد الساعات ونفس رسوم التسجيل مع شرط التواجد الجزئي في مختبرات الجامعة ويعني هذا ان احدى اقدم وابرز الجامعات في العالم قد وصلت الى حد انتاج الأطباء من خلال تعليمهم عن بعد. ويصعب على أي كان التشكيك بأهمية هذه الإختراعات الإلكترونية المتلاحقة ولكننا قد نختلف حول حاجتنا الحقيقية لها واسمع أحيانا من يقول ان الموك دواء يطلب منا تجرعه دون ان نحدد أولا المرض الذي تنبغي معالجته. هل هو إكتظاظ المدرّجات وغرف التدريس بملايين الشباب العرب الجدد الملتحقين كل عام بالجامعات؟ او هي الحاجة لرفع مستوى المحاضرات من خلال إحلال نجوم مقتدرين تسجّل محاضراتهم وتعرض بدلا من دروس زملائنا الاقل شأنا؟ ام هي الرغبة بالسماح لشرائح اجتماعية غير طلابية بالإستفادة من التعليم الجامعي عن بعد؟ ام هو فقط تدني الكلفة علما ان تحولنا نحو الموك من شأنه مبدئيا تخفيض انفاق الجامعات على العقار وعلى عدد الأساتذة بينما يسمح لها الموك أيضا بزيادة مداخيلها من خلال جني رسوم من متسجلين من خارج الفئة الطلابية البحتة او من خلال بيع دروسها الى جامعات أخرى. ما عاد اذن بالإمكان تجاهل الموك ولا الإكتفاء بإنتقاد نوعيته وبعض منتجاته بالغة الجودة فعلا. وأرى ان هناك عددا من المشاريع العربية قيد الإعداد في هذا المجال وأملي الا تتأخر جامعاتنا العربية عن الدخول في عملية الإنتاج الواسع للمواد التعليمية لكيلا تستولي عليه الشركات التجارية وهذا ما أقدمت عليه فرنسا مؤخرا من خلال إطلاق برنامج "فان" كيلا تقع جامعاتها في حال من التبعية للشركات الأميركية الكبرى. ولكن القضايا الجديدة المتأتية عن شيوع هذه التقنية لا تقف عند هذا الحد فهناك مسألة التأكد من هوية الطلاب عند إعطاء العلامات، ومسألة الحد الأدنى الضروري من تواجد الطلاب المتعلمين عن بعد في الحرم الجامعي، ومسألة إشراك الأساتذة في العائدات المتأتية من دروسهم المسجلة، ومسألة السماح للطلاب بشراء دروس موك من جامعات غير تلك التي تسجلوا فيها، ناهيك عن التسرب الخطير في عدد الطلاب كما هي الحال مع كورسيرا، اكبر شركات الموك، ولديها 22 مليون مسجل ولكن 5 الى 7 بالمائة فقط منهم يتابعون التعلم حتى النهاية. ورب قائل بأننا نواجه مشاكل متمادية في نوعية تعليمنا فما لنا ولكل تلك الإختراعات الجديدة التي تزيد من التهديدات لجودة ما نقدم؟ هكذا نصل للتحدي الثالث وهو تحدي رفع النوعية كجهد مستدام. ندرك جميعا المعايير القابلة للجدل التي يلجأ اليها اصحاب التصنيفات من امثال شانغهاي والتايمز وغيرها لكن معطى بات ثابتا امام أعيننا وهو غياب شبه عمومي للجامعات العربية عن المراكز الألف الأولى في كل هذه التصنيفات. لا تسمح لنا إذن احقية انتقادنا للمعايير بتجاهل ما يعنيه ذلك الغياب عن لوائح التصنيفات العالمية لا بالنسبة لصورة تعليمنا العالي الخارجية وحسب بل في إشارته المضمرة لواقعنا الجامعي اولا واساسا. وأرى أننا انتقلنا من حقبة أولى تميزت بمستوى عال من النخبوية كان فيها التعليم الجامعي مقادا من نخبة المجتمع والى حد بعيد حكرا على أبناء تلك النخبة الى حقبة ثانية فتح المجال فيها مبدئيا امام جميع شرائح المجتمع للتعلم. وكان هذا الإنتقال طبيعيا الا ان نوعا من الإلتباس صاحبه. ودخلنا اليوم في مرحلة جديدة ينبغي علينا فيها رفع ذلك الإلتباس. فالسعي المشروع، بل والضروري، لديمقراطية التعليم لا ينبغي خلطه مع إستسهال إعطاء الشهادات لمن لا يستحقها بالضرورة تحت شعار كسر احتكار النخبة الحاكمة لها. الإلتباس هنا هو في طبيعة تلك النخبة ويقيني ان النخبة العلمية في أي مجتمع تتكون من أفراد ليسوا أعضاء، او هم ليسوا بالضرورة أعضاء، في النخبة السياسية او الاقتصادية المهيمنة. ومن دواعي القلق خلطنا شبه التلقائي بين أنواع النخب او رفضنا في المطلق لمجرد وجود نخب في مجتمعاتنا. فالتعمق في المعرفة والعلم والتفكر ينشئ بصورة طبيعية فئة مميزة من الناس ينبع تميزهم من دورهم في إنتاج المعرفة. وارى من الديماغوجية الا نعترف بهذه السيرورة او الاّ نقبل بها فهي ضمانة لجودة تلك المعرفة. لكن اعترافنا بوجود بل بضرورة نخبة معرفية متميزة عن النخب الحاكمة في مجال المال او السياسة يفرض بالمقابل على تلك النخبة واجبات أهمها ان تعمل هي الأخرى لتعميق تمايزها عن النخب الأخرى بوصفها نخبة معرفية لا سلطوية تستمد شرعيتها من إسهامها في صنع المعرفة لا من وجاهة مجتمعية او من إسقاطات مالية او من محاولة توظيف موقعها المعرفي في المجال السياسي او من نجومية إعلامية مسطّحة. فتوصلّنا لتعليم عال ذي صدقية عالمية مرتبط لا برفض تكوّن تلك النخبة المعرفية بل، على العكس تماما، بالعمل على تكوينها من خلال إعطاء العلم منزلته المميزة دونما حاجة لسحب تلك المنزلة الى خارج نطاق المجال المعرفي. ويقيني ان حداثتنا المبتسرة، او الناقصة أو الهجينة، ما زالت تدفعنا للخلط الدائم بين النخب فنميل لإعتبارها أصنافا من طغمة مهيمنة واحدة. واعتقد أيضا ان الوقت قد حان لمزيد من التنويع في جامعاتنا التي تتشابه أكثر مما يقتضيه امر رفع مستوى التعليم. لن ارهقكم بما تعلمون من ضآلة الموارد العربية المخصصة للبحث العلمي حيث نجد أنفسنا في أسفل البيانات العالمية، ومن العدد القريب من الصفر من العرب الفائزين بالجوائز السنوية الكبرى مثل نوبل او فيلدز او بريتزكر، او من وضع المختبرات الجامعية المزري في غير جامعة، او طبعا من الأدمغة التي تدفع بها أنظمتنا ومجتمعاتنا للهجرة فتتفتح براعمها العلمية ويعظم صيتها في بلدان أجنبية تدرك الفائدة من احتضانها. لقد بات وضع بلداننا الدوني في كل هذه المجالات معروفا وحان الوقت للخروج من التوصيف او من الإنتحاب الى البحث الجدي عن مفتاح الخروج من هذه الحالة الدونية. ويقيني ان احد المفاتيح هو في إنشاء جامعات بحثية يكون البحث العلمي فيها بنفس أهمية التعليم ان لم يكن أكبر، ينتمي اليها الأكاديميون الذين يفضلون التركيز على البحث لا على التعليم، بينما توازيها جامعات من فئة ثانية تركز عملها على التكوين الأساسي للطالب في سنواته الجامعية الأولى وفئة ثالثة تأخذ على عاتقها التهيئة لمهن تتطلب تعلما جامعيا لا يشترط مستوى متقدما من البحث. وارى ان نشجع الجامعات القائمة على تحديد أوضح لشخصيتها وأن نطالب أصحاب كل مشروع جامعي جديد بمزيد من التحديد للفئة التي ستنتمي اليها جامعته العتيدة. تحملنا هذه الدعوة لتنوع أوضح في هوية جامعاتنا للتحدي الرابع الذي لا يواجهنا فحسب بل بات مثارا للجدل العارم عبر العالم وهو ماذا ندرّس؟ لننظر من حولنا فنلمس لمس اليد عشرات الآلاف من أبنائنا من خريجي الجامعات بل من حملة الدكتوراه وهم في حال من البطالة او من مزاولة أعمال دون تلك التي هيأتهم الجامعة مبدئيا لممارستها. كان أبناء جيلي على إقتناع تام بأن الشهادة الجامعية تفتح امامهم باب سوق العمل على مصراعيه وكانت قناعتهم الى حد كبير صائبة. لكن هذا الزمان قد ولّى وما عادت الشهادة تأشيرة مضمونة لعمل يناسبها بل تحولت بطالة الخريجين الى مشكلة إضافية في المجتمع يعاني أصحابها لا من الضائقة الاقتصادية التي تصيب كل العاطلين عن العمل وحسب بل أيضا من شعور مرير خاص بهم لعدم تقدير دولتهم ومجتمعهم لسنوات التعلم التي امضوها دون عائد يذكر. ماذا نقول لكل هؤلاء حملة الشهادات الجامعية العاطلين عن العمل وهم باتوا اليوم يشكلون نحو ثلث أعداد الخريجين العرب؟ هل نقول لهم على نفسها جنت براقش فانتم اخترتم التعلم الجامعي وانتم اخترتم مجال تخصصكم فما لنا ولكم ان لم تحصلوا بعده على وظيفة؟ او على العكس هل نطالب حكوماتنا بضمان إيجاد وظيفة لكل خريج بينما نعلم علم اليقين ان تلك الدول التي اخذت سابقا على نفسها هكذا تعهد وجدت الف سبيل للتملص منه بالنظر لعجزها الواضح عن تنفيذه؟ وحتى لو لم تكن البطالة من خطايا الجامعة فإنه ليس من حق الجامعة ان تتنصل من مسؤوليتها في معالجة هذه الآفة المتفاقمة. أكاد اسمع زملائي ينتقدون هذا القول متحججين بأن واجب الجامعة هو في تكوين الطبيب لا في إيجاد المرضى ليعالجهم وفي تدريب المحامي لا في تأمين زبائنه وفي إنتاج المعرفة عن المجتمع لا في تغييره. وأكاد أسمع رد الطلاب وأهاليهم وهم يتحدثون عن الغش الذي لحق بهم يوم قيل لهم ان التعلم باب العمل المجدي فدخلوا اليه بحماسة وخرجوا منه خاليي الوفاض. انه الجدل الواسع المحتدم اليوم في مختلف بلدان العالم بين دعاة التمسك بالمناهج والمواد التي نعتبرها شرطا ضروريا للبنيان الثقافي وبين دعاة إعادة النظر في الإختصاصات والمناهج والمواد لجعلها تتلاءم مع سوق للعمل هي في تحول دائم. لا يكاد يمر يوم دون صدور كتاب جديد او مقال للبكاء على أطلال جامعة الأمس التي كانت تهتم بإنتاج الفكر لا بتسهيل ممارسة مهنة. ينتقد وليام درسويتش في كتابه الصادر حديثا جامعات اميركية باتت تختار اساتذتها وتحدد مرتباتهم لإسهامهم في البحوث المتقدمة بينما تتجاهل تماما دورهم في التدريس ويأخذ عليها أيضا تهميشها للدراسات الإنسانية التي غادرها اكثر من نصف مرتاديها بينما ارتفع طلاب البزنس من 14 الى 22 بالمئة من الطلاب. اما مارينا ورنر، وهي أيضا استاذة في الآداب فقد كتبت في العدد الأخير من اللندن ريفيو اوف بوكس مقالا طويلا غضوبا تبكي فيه التعليم في بريطانيا الذي ذهب بعيدا في التحضير لمهن ونسي تكوين الشباب ثقافيا لدرجة ان وقت الأكاديميين الأكبر بات مخصصا لكتابة طلبات تمويل البحث وتعبئة البيانات الضرورية لرفع تصنيف الجامعة وتحرير التقارير الإستشارية لأرباب المال والصناعة. ويحتدم الجدل الآن في العديد من الدول حول وظيفة الجامعة الأهم بين من يدعو للعودة لوظيفة تكوينية ثقافية في الجوهر وبين من يؤيد تغليب هاجس البطالة بين الشباب وبالتالي إعادة النظر البرامج على هذا الأساس. نحاول جميعا وقدر إمكاننا التوفيق بين وظيفة الجامعة كمنتج للمعرفة وكناقل لها وبين مسؤوليتنا تجاه مجتمعاتنا ونحاول بالتالي المواءمة (وما اصعبها!) بين دورنا في بنيان الأجيال الصاعدة الثقافي وبين تفكرنا بالبطالة التي قد تطالهم. وقد يجد المدافعون عن التعليم كمجرد وسيلة للتدريب على مهنة سندا غير متوقع لهم عند ابن خلدون نفسه الذي دعا للتركيز على المقصد المهني وعدم الإفاضة في تلك المواد التي لم يكن يرى فيها الا أدوات لتحصيل العلم ولا ينبغي بالتالي ان تشكل هدفا بذاتها "مثل العربية والمنطق وامثالها فلا ينبغي ان ينظر فيها الا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ولا يوسّع فيها الكلام ولا تفرّع المسائل لأن ذلك مخرج لها عن المقصود وصار الإشتغال بها لغوا وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات". ويسأل صاحب المقدمة: "فإذا قضوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟" ليس من سؤال اكثر الحاحا علينا اليوم. يدفعنا اعتبار وظيفة الجامعة الأولى في انتاج المعرفة الى خيارات في المناهج والمواد والوسائل تغلّب بالضرورة دراسة الفلسفة والفكر والتاريخ والعلوم الاجتماعية والإنسانية كما تدفعنا الى تعميم التدريس من خلال الحوار المباشر بين المدرس والطالب للتأكد من تفتح ذهنه على الفكر النقدي ومن إطلاعه الحقيقي على مختلف الدراسات التي تتناول الوجود الإنساني. بينما يدفعنا الشعور بالمسؤولية تجاه مستقبل طلابنا المهني الى التفاهم ضمنيا مع من قد يتيح لهم يوما فرصة عمل حول المواد التي يراها ضرورية، وحول المهارات العملية التي يعتبرها أساسية، لتكوينهم المهني. اما الخروج من الجدل الحاد في هذا المجال فيكون برأيي بعدد من الإجراءات التي باتت ضرورية لاسيما في عالمنا العربي واولاها ما ذكرته سابقا عن تعزيز هوية الجامعات العربية كي يلمس المتقدم اليها فعلا ما ستقدمه له ويختار بين تلك التي تؤهله للتفكر والبحث وتلك التي تؤمن له مستقبلا مهنيا افضل. اما الإجراء الثاني فهو في قرارنا الجماعي الصعب انما برأيي الضروري بتغيير جذري في وتيرة التعليم الجامعي إذ اننا نعلم جميعا ان الفتى الحاصل لتوه على الشهادة الثانوية وهو في السابعة عشر او الثامنة عشر من عمره لا يعلم في الإجمال ماذا يريد. علينا بالتالي الاّ نرغمه على قرارات ملزمة قد يمضي عمره بالندم عليها. ويعني هذا عمليا ان نغيّر التشريعات لتبقى صلاحية الشهادة الثانوية كمعبر للجامعة قائمة لفترة طويلة ويعني أيضا ان نهتم بتكوين عام للطالب في سنواته الثلاث الأولى في الجامعة فلا يختار تخصصه العلمي او المهني الا بعد انتهائها ويعني ذلك أيضا ان نشجع الطلاب على عدم متابعة دراساتهم الجامعية بصورة متصلة بل ان يغادروا الجامعة بين كل مرحلة وأخرى من تحصلهم لفترة فصل او عام كامل في أنشطة أخرى تعزز بناء شخصيتهم ومعرفتهم بالعالم وتسهّل إدراكهم لما يصبون اليه فعلا. وارى من الضروري نبذ النموذج الذي ورثناه عن أوروبا، لاسيما ان أوروبا نفسها في طور التخلي عنه، وهو نموذج اختيار الطالب لتخصصه يوم دخوله الجامعة والبقاء لاحقا فيها دون انقطاع لخمس او عشر سنوات حتى إتمام ذاك التخصص. وتنقلنا هذه التساؤلات عن معادلة الثقافة والمهنة الى تحد خامس لا يقل حساسية هو تحدي تسليع الشهادة الجامعية او تحدي منطق السوق وتسلل الفكر النيوليبرالي الى مجال التعليم الجامعي. نعلم جميعا مضمون ذاك المنطق كما نعيش يوميا في وسط الجدل المحتدم بشأنه. الفكرة هنا هي ان من يحمل شهادة جامعية يتمكن في الإجمال من الحصول على مرتب مالي أعلى (نحو الضعفين في الدول المتقدمة والخمسة أضعاف في عديد من الدول النامية) وعلى موقع اجتماعي أفضل ممن حرم منها. وتقدر بعض الدراسات الحديثة ان الفارق بين مدخول من يحمل شهادة جامعية وبين من لم يحصل عليها يتسع باضطراد في مختلف أنواع الدول. وقد وصل الأمر بمجلة الإيكونوميست النيولبرلية بإمتياز الى تحديد المردود المالي المتوقع لكل لغة إضافية يتعلمها الطالب فأبلغتنا ان الذي يتعلم الإسبانية سيضيف 60 الف دولار الى مدخوله بعد التخرج و75 الفا ان إختار الفرنسية و125 الفا ان فضّل الألمانية. هكذا بات عدد متزايد من زملائنا، لاسيما في كليات الإقتصاد، يعتبرون التحصيل الجامعي نوعا من إستثمارا بالوقت والمال لا ينبغي الولوج اليه الا بعد التأكد من العائد الذي سينتج عنه، والشهادة سلعة تؤمن لصاحبها مدخولا اعلى. ولا تكتفي هذه المقولة بتوصيف عملية اقتصادية وحسب اذ انها تسعى، ضمنا او صراحة، الى إسباغ الشرعية على دخول الرأسمال فيما لم يعد يتردد البعض عن تسميته ب"الصناعة الجامعية"، كما الى جعل الطلاب يقبلون بأن من حق الجامعات المطالبة برسوم جامعية تتناسب مع القيمة السوقية لشهاداتها، كما من حق المستثمر الرأسمالي في القطاع الجامعي جني الأرباح من توظيفه لرأسماله، كما هي الحال في أي مجال استثماري آخر. لا ينشأ هذا المنطق من فراغ طبعا اذ تتضافر اليوم مجموعة من العناصر التي تجعله شبه بديهي. علينا أولا الإقرار بأن منطق السوق قد دخل الى قطاعات إجتماعية عديدة كانت مقفلة أمامه وليس قطاع التعليم الا واحدا منها. لكن هذا التراجع العام في إسهام الدولة في مجال تقديم الخدمات لصالح القطاع الخاص يتفاقم في قطاع التعليم بالذات جراء عدد من الأسباب الخاصة بالقطاع اولها ان تناقص حجم الدعم الحكومي للقطاع يأتي في الوقت عينه الذي يتضاعف فيه عدد الطلاب. ففي الولايات المتحدة مثلا لم يعد الإنفاق الحكومي على الجامعات الحكومية يتجاوز ثلث ميزانياتها بينما هو قريب من الصفر لمختلف الجامعات الخاصة. وفي بريطانيا يمثل الإنفاق الحكومي على الطالب الجامعي نحو ربع ما كان عليه منذ نصف قرن. وفي الجامعة الباريسية التي ادرّس فيها تتضاءل نسبة الإسهام الحكومي سنويا من نحو 80 بالمائة سنة 2000 الى اقل من النصف اليوم. ونشهد تيارا مشابها في مختلف أنحاء العالم، المتقدمة منها والنامية، حتى في الدول التي بقي فيها التعليم الحكومي شبه مجاني اذ ان الإلتحاق المتزايد بالجامعات الخاصة غير الحاصلة على أي دعم حكومي من شأنه ان يؤدي تلقائيا الى تدني نسبة إسهام الدولة على التعليم. وبالتوازي مع تدني الإسهام المالي الحكومي تتفاقم ضائقة الجامعات بالنظر لارتفاع كلفة التعليم نفسه. والأسباب عديدة هنا منها التضخم العام في مرتبات الأكاديميين البارزين في الدول المتقدمة ومنها الطفرة غير المسبوقة في أعداد الموظفين الإداريين بحيث تجاوز عددهم عدد الأكاديميين في عدد كبير من الجامعات، ناهيك عن ارتفاع أسعار العقار والحاجة لمنشآت رياضية ولتجهيز تكنولوجي ما ان يتم تأمينه حتى يظهر تجهيز أكثر تقدما عليه، وكلها نفقات كبيرة ومشروعة بل في معظمها ضرورية. وأدى تراجع الدعم الحكومي وارتفاع كلفة التعليم الى النتيجة المتوقعة التي نعرفها جميعا أي الزيادة الكبيرة في رسوم التسجيل. فإن توقفنا لحظة امام نموذج الولايات المتحدة وهو الأكثر انخراطا في المنطق النيوليبرالي لوجدنا ان تلك الرسوم قد ارتفعت اكثر من ثلاثة أضعاف ارتفاع أسعار السلع التجارية بحيث بات العرب، حتى الموسرون منهم، يفكرون مليا قبل ابتعاث أولادهم الى الجامعات الأميركية ان لم يحصلوا على منحة لذلك من حكوماتهم ومعظمها عاجز عن ذلك. كيف لا وقد بات معدل الرسم السنوي في الجامعات الحكومية هناك ١٠ الاف دولار لأبناء الولاية وضعفي هذا الرقم لمن هو من خارجها، بينما تجاوز معدل الرسم في الجامعات الخاصة ٣١ الف دولار سنويا وهو رقم يلامس الخمسين او ستين الفا سنويا في الجامعات الأوسع شهرة. هكذا وصلت كلفة الشهادة الجامعية في اميركا اليوم الى اكثر من عشرة اضعاف ما كانت عليه منذ نصف قرن. وارتفع بالتالي حجم ديون الطلاب (وثلثاهم يلجأون لذلك) وبات معدل استدانة الطالب يوم تخرجه ٤٠ الف دولار بينما تعاظم هاجس حجم الدين الجامعي بعد ان تجاوز نحو 1,2 ترليون دولار لاسيما وان اكثر من 7 ملايين خريج أميركي هم فعلا عاجزون عن سداد الديون التي استلفوها للحصول على شهادة جامعية. يعتبر البعض ان منطق السوق قادر بذاته على معالجة الأزمة بمعنى ان الإنتشار المتزايد في عدد الجامعات الربحية المحكومة بقانون العرض والطلب من شأنه ان يفرض تصحيحا بنيويا على هذا الجنوح. والواقع ان معظم الجامعات التي أنشئت حديثا عندنا وفي العالم هي من هذا الصنف. وبينما ما زالت الجامعات الحكومية عندنا تستقطب الأعداد الكبرى من الطلاب، فإن التوجه العالمي هو في تزايد الجامعات الربحية وفي تعاظم اعداد مرتاديها على الرغم من الدعاوة التي لا تخل من المبالغة او حتى الكذب التي تلجأ اليها تلك الجامعات لتعظيم نوعية وجدوى شهاداتها. وأشار تقرير اميركي حديث الى ان الجامعات الربحية لا تنفق على التعليم الا 17,4 بالمائة من مداخيلها السنوية بينما توزع 20 بالمائة منها كأرباح على المساهمين وان اكثريتها تنفق على الترويج لنفسها ضعفي ما تنفقه على التعليم. نرى هنا المثالب بل المآزق التي يدفع اليها منطق السوق. فما موقفنا ونحن لم نصل والحمدالله الى تلك المآزق او اننا لم نصل بعد اليها؟ من غير الواقعي ابدا ان نعود لموقف ينبذ منطق السوق بالمطلق ويذهب للقول ان التعليم الجامعي هو بالأساس خدمة اجتماعية ينبغي على الدولة ان تتعهده بمفردها لأن هذا واجبها ولأن التعليم الخاص قد يذهب بنا الى الشطط المالي. فالدول في مجملها باتت عاجزة عن تحمل كلفة هذا القطاع بمفردها سيما وانه كان على الحكومات ان تزيد ثلاثة أضعاف من انفاقها على التعليم العالي لمجرد المحافظة على مستواه السابق ونحن ندرك تماما ان أكثرية تلك دولنا عاجزة عن ذلك. ثم ان القطاع الخاص قد أبدى حسناته العديدة في التعليم الإبتدائي والثانوي ولا سبب للإعتقاد ان القطاع الجامعي سيكون عصيا عليه. اننا تجاوزنا حاجز استئثار الحكومات بالقطاع إذ تعددت المبادرات الأهلية، خيرية كانت أم ربحية، لإنشاء جامعات جديدة. والحقيقة ان الفوارق بينها ما عادت واضحة تماما مما يشجع على القبول بالرأسمال الخاص في تمويلها. ولكنه وفي المقابل من غير الصحي الذهاب نحو الخصخصة التامة وتحرير الدولة من واجباتها المفترضة تجاه هذا القطاع. فهناك العديد من الدول مثل سويسرا او الدانمرك او النروج حيث الرسوم الجامعية رمزية والجامعات في احسن احوالها. وفي الدول الأكثر تقدما فإن الفروقات في مستوى الدعم الحكومي هائلة دون ان تتأثر نوعية التعليم بهذه الفروقات. وبينما تشكل نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم العالي نحو 100 بالمئة في اسكندنافيا وثمانين بالمئة في فرنسا و60 بالمئة في كندا و35 بالمئة في اميركا واليابان و25 بالمائة في بريطانيا، وهي فروقات كبيرة جدا بين دول هي في المستوى نفسه من التقدم، يصعب على المراقب ان يجد تأثيرا كبيرا لهذه الفروقات على تصنيف هذه الدول من حيث جودة جامعاتها. وبينما تتنوع وضعية الجامعات القانونية فهمت الدول ان عليها ان تحول استئثارها السابق بالقطاع الى دور جديد مزدوج فتستمر بتعهد الجامعات الرسمية دون ان تتحمل بالضرورة كامل تمويلها بينما تحاول تنظيم قطاع التعليم الجامعي الخاص من خلال إعطاء الرخص ومراقبة نوعيته ومتابعة مدى احترامه لشروط إنشائه ومعاينة صلاحية الشهادات الصادرة عنه بصورة دورية. واني أرى من واجب الدولة أيضا تعهد الجزء الأكبر من البحث العلمي في الجامعات التي تعطي الأولوية له وفي هذا المجال فإن تأخر الجامعات العربية خطير فعلا. كانت جامعاتنا بالأساس في أكثريتها رسمية وبالتالي جزءا من جهاز الدولة التعليمي. اما جامعاتنا الخاصة القليلة العدد فكانت لا تبغي الربح. ولكن العدد الأكبر من الجامعات الجديدة أسست بهدف الربح. من هنا فإن عجزت الدولة عن تبني القطاع بالكامل فليس من حقها التخلي عن مسؤولية تنظيمه. فمهما ادعى المنطق النيوليبرالي فإنه يخطئ حين يزعم ان السوق قادرة على إفراز ضوابطها بذاتها. وهو يخطئ أكثر حين يزعم ان الشهادة الجامعية سلعة كغيرها. لقد واجهتنا مسألة مماثلة منذ عقد من الزمن في ماهية العمل الفني. وتوصلنا يومها لنتيجة ان الكتاب او اللوحة او الفيلم ثنائي الطبيعة، فهو سلعة كغيرها تباع وتشرى لكنه شيء آخر أيضا لأنه ينضوي على مضمون والمضمون يعني تعبيرا عن هوية فردية او جماعية. كانت هذه هي الفلسفة التي بنيت عليها المعاهدة الدولية عن التنوع الثقافي التي كان لي فخر الإسهام بصياغتها. ويقيني ان نظرة مماثلة يجب ان تحكم الشهادة الجامعية فالفوز بها يؤثر بقوة على مدخول صاحبها ولكنها ليست سلعة عادية لأنها أيضا مضمون والمضمون هوية. ومسألة الهوية تستدعي سؤالا بات يوميا: بأية لغة نعلم؟ وهو التحدي السادس الذي اتوقف عنده. لن يقبل عاقل بجواب على هذا السؤال مبني على اعتبارات المصلحة دون غيرها. فالسؤال سياسي وثقافي قبل ان يكون تقنيا. لقد دفع العطش المشروع للإستقلال الثقافي الى جعل التعليم في جامعاتنا باللغة العربية وهذا امر محمود وطبيعي. لكن اكتفاءنا بهها الجواب البدائي لم يعد اليوم كافيا لسببين على الأقل: الأول هو ضرورة إتقان طلابنا للغات الواسعة الإنتشار كشرط من شروط ولوجهم لإقتصاد معولم مما يعني انه من غير المقبول ان نحصر بعد اليوم اتقان اللغات العالمية على كليات الآداب الأجنبية بل ان التمكن الحقيقي من لغتين أجنبيتين، ان لم يكن في مباراة الدخول للجامعة فعند التخرج منها، بات واجبا علينا إزاء طلابنا. ثم ان رد الفعل الدفاعي بالتمسك بلغتنا القومية لا يجب ان يلهينا عن رغبة التأثير فيما حولنا. لقد تنبهت الدول الكبرى الى ان التعلم في جامعاتها من شأنه ان يضاعف من قوتها الناعمة في العالم. من هنا التنافس الهائل على استقطاب أولئك الذين سيكونون غدا نخبة البلدان الصاعدة. ولا أرى لماذا لا يدخل العالم العربي في ذاك السباق الذي يقتضي تعليما جامعيا افضل وانما أيضا تعليما بلغات غير العربية. واسمح لنفسي هنا بالإشارة لتجربة حديثة في هذا الموضوع اذ طلبت مني جامعتي انشاء كلية للشؤون الدولية. أنتم تعلمون ولا شك تمسك الفرنسيين بلغتهم الوطنية واني احترم طبعا تمسكهم بها ولكني رأيت ان أي عامل في الشأن الدولي عليه ان يكون متقنا للغة الأوسع انتشارا اليوم فوضعت شرطا للدخول هو التمكن الفعلي من اللغة الإنكليزية بل اخترت ان يكون ثلثا التعليم بتلك اللغة. ويقيني ان فرنسا ربحت مرتين أولا لأن أبناءها المتخرجين من كليتي يتنافسون مع أولاد الإنكليز والأميركان في اتقانهم لتلك اللغة وثانيا لأن الكلية سرعان ما استقطبت طلابا من نحو 115 بلدا في العالم بحيث يشكل الوافدون اكثر من ثلثي طلابها الذين فاجأوا زملائي المتحفظين بانكبابهم على تعلم الفرنسية او على رفع مستوى ما كانوا تعلموا منها. ولم يعد احد يخجل من الإشارة أيضا للمردود المالي (وليس المعنوي فقط) الذي يوفره تقاطر الطلاب الأجانب. هناك اكثر من 4 ملايين طالب يدرسون اليوم خارج بلادهم تستقطب منهم الولايات المتحدة نحو عشرين بالمئة وبريطانيا 12 بالمئة وفرنسا نحو 7 بالمئة وأستراليا سته بالمئة. وبين الدول الجديدة المستقطبة الصين وماليزيا وكوريا وبعض دول الخليج. وفي بريطانيا يعتبر التعليم العالي للأجانب مصدرا أساسيا لميزانية الجامعات وسابع منتج للصادرات وفيها واحد من ستة طلاب جاءها من خارج الإتحاد الأوروبي بحيث يزيد عددهم على 300000 والصينيون اكثرهم عددا. ويتفق الجميع ان الفائدة الاقتصادية المباشرة من قدوم الطلاب عالية : نحو 50 مليار في الولايات المتحدة و25 مليار في بريطانيا وعشرة في اوستراليا كما ان فرص العمل في الدول المستقطبة المرتبطة بوجود طلاب أجانب في ارتفاع مستمر. وبالنظر الى ان كل الدول تسعى لئلا يتحمل طلابها المواطنون عبء التعليم العالي بمفردهم من خلال خصهم برسوم تسجيل متدنية فان هناك اعتمادا متزايدا في كل مكان لتمويل النظام الجامعي بأسره من خلال تسجيل اعداد اكبر من الطلاب الأجانب تطلب منهم رسوم تسجيل مرتفعة. لذلك كله بات علينا ان نحافظ على إستقلالنا الثقافي انما دون الإنغلاق عن حركة العولمة التي تضرب اليوم التعليم العالي بكل مظاهرها من انتقال للطلاب بالملايين للتعلم خارج اوطانهم الى قرار مئات الجامعات لاسيما الغربية منها بفتح فروع لها في الخارج ولاسيما في بلداننا او على مقربة منها، الى نشوء سوق معولمة للأساتذة لاسيما في مجالات كالعلوم الاقتصادية والطب، الى عودة الى التعليم باللغات العالمية الواسعة الإنتشار في الجامعات الوطنية. يمكننا طبعا ان نشيح النظر عن هذه الحركية المتسارعة ونقنع أنفسنا أن بإمكاننا البقاء خارجها ولكن موقفا كهذا، الى جانب انعدام واقعيته، لا يفسر لنا الإنخراط الواسع لدول صاعدة كالصين او البرازيل او الهند في حركية العولمة الجامعية ولا ينبهنا الى الفوائد التي ترتجيه دول هي ليست اقل حرصا منا على استقلالها من ذاك الإنخراط. وللتذكير فإن الموجة الأولى من جامعاتنا جاءت بمبادرة خارجية ان بالنسبة لروبرت كوليج في إسطنبول اوالجامعة الأميركية في بيروت كلاهما سنة 1863، او هذه الجامعة سنة 1875 او حتى الجامعة المصرية التي بدأت كمؤسسة خاصة سنة 1908 او طبعا جامعة الجزائر بعدها بسنة، ناهيك عن الجامعة الأميركية قي القاهرة التي نشأت سنة 1919. ثم تشكلت الموجة الثانية غداة الإستقلال من جامعات وطنية حكومية في مختلف الأقطار العربية. اما الموجة الثالثة فكانت نوعا من التفريع من خلال إنشاء جامعات محلية خارج العواصم في جدة او المنوفية او الدار البيضاء او الموصل. وارى اننا دخلنا اليوم في موجة رابعة تحتفظ فيها إجمالا الجامعات الوطنية الحكومية بالعدد الأكبر من الطلاب بينما رخص لمؤسسات من فئات مختلفة بالوجود من جامعات خاصة غير ربحية الى جامعات خاصة ربحية الى فروع محلية لجامعات أجنبية الى فئة هجينة رابعة من الجامعات الحكومية او الخاصة ذات الترخيص المحلي والتي تعمل تحت إشراف مؤسسات خارجية. وارى انه من السذاجة ان نعتقد انه بوسعنا إنقاذ تعليمنا العالي بمجرد إدارة الظهر لهذه العولمة الجامعية ولكنه من الخطر أيضا الإعتقاد ان الإنخراط في العولمة يقتضي التخلي عن هويتنا الثقافية. فإن كان الإنغلاق على الذات وصفة للتهميش فالإندثار فإن المساومة على الهوية الوطنية يصيب الإستقلال في مقتل. ولا أرى حقيقة من مجال وطني مثل المجال الجامعي نلمس فيه هذه الحاجة لإنجاح معادلتنا الصعبة بين أهمية صون الإستقلال وضرورة تجنب الإنعزال. ينقلني هذا القول للتحدي السابع والأخيروربما الأكبر: ان كانت الجامعة مصنع رجال المستقبل ونسائه فمن هو الانسان العربي الذي نريده بعد ١٠ او ٢٠ سنة من الان؟ لما كانت وظيفة الجامعة بالأساس هي انتاج المعرفة وتعميمها فهي تجد نفسها بصورة تلقائية في موقع تغييري. ويعني هذا انه ليس من حق الجامعات ان تكون مجرد مرآة للمجتمعات التي تنشئها وهي تهدر فرصتها وتخون وظيفتها وتفقد تدريجا موقعها ان هي ارتضت ان تكون مجرد انعكاس باهت للأحوال العامة المحيطة بها. - فإن كانت المجتمعات تشهد مزيدا من اللامساواة فليس من حق الجامعة ان تكتفي بمسايرة هذا الوضع او (وهنا الطامة الكبرى!) بالإسهام في تفاقمه سيما وان اخطر ما نراه الآن في العالم هو الدور المتزايد للتعليم الجامعي في استفحال الفوارق الطبقية ان في إعطاء الأفضلية لأبناء العائلات الموسرة او في تعميق هوة المدخول بين الخريجين وغيرهم. - وإن كانت أنظمتنا السياسية تميل لأن تكون تسلطية فليست وظيفة الجامعة تعويد الشباب الناشئ على احترام السلطة الأعمى بل ان دورها على العكس هو في نشر الفكر المتحرر والمبدع بل والنقدي. - وان كانت الحكومات تميل للتدخل فيما يعنيها ولا يعنيها فإن مسؤولية الجامعة هي في الدفاع عن حرمتها الذاتية أي عن إمكانية انتاج المعرفة دون تداخل متواصل مع التطورات خارج الحرم. - وإن كانت مجتمعاتنا محافظة تقليدية فليست وظيفة الجامعة ان تسهم في إبقائها على هذا الوضع بل في انتاج نخبة معرفية تسهم في تغيير هذه المجتمعات من خلال رفع شأن العلم والفكر والمعرفة وبالتالي من خلال تحكيم العقل في دراسة أسباب النزاعات وفي ابتكار الحلول لها. - وإن كانت مجتمعاتنا فئوية، طائفية، مذهبية فعلى الجامعة ان تكون فعلا جامعة اي نوعا من الماكينة العاملة على تعزيز التواصل والتكافل وبناء المواطنية العابرة للمذاهب والمتجاوزة لها. هذا قدر الجامعة وهذه واقعا وظيفتها. وفي تشجيع الإنصهار الوطني تجد جامعاتنا مصلحتها أيضا سيما وانه لا يصلها الا القليل من الدعم الخيري مقارنة بمناطق أخرى من العالم بينما نرى المال الخيري عندنا يتدفق بكثرة على المؤسسات الفئوية على إختلافها متجاهلا الجامعات ومختلف المؤسسات الإنصهارية الأخرى. - وان كنا تجاوزنا مسألة توفير التعليم العالي للإناث وقد باتت البنات تشكلن أكثرية في جسمنا الطلابي فلا يحق لنا ان نقبل باستمرار دور المرأة المتعلمة الدوني بعد تخرجها في سوق العمل او في الإدارة العامة او في المجال السياسي. علينا ان ننظر في قاعات تدريسنا حيث بات العنصر النسائي غالبا ونتصور مستقبلا عدد الخريجات فيه يفوق عدد الخريجين ونتحمل بالتالي مسؤولية إنقلاب إجتماعي حقيقي هو أساسا من صنعنا مدركين ان العوائق التي تضعها أنظمتنا الدينية والسياسية والإجتماعية لن تصمد طويلا امام مطالبة الخريجات بموقع سياسي واقتصادي واداري يتناسب مع تفوقهن. - وان كانت سياسات دولنا قطرية بل انعزالية فليس من مهام الجامعة توطيد هذه الميول بل علينا على العكس ان نسعى لمزيد من التواصل والتعاون والتكافل الجامعي بين بلدان العرب متجاوزين بحزم تقاعس الدول عن صون تضامنها في المجالات الأخرى. يتحدث كثيرون عن الإتحاد الأوروبي من باب العملة الموحدة وحرية الإنتقال بينما علينا ان ننظر أيضا لبرنامج اراسموس ولإتفاق بولونيا لسنة 1999 ولمعاهدة لشبونة عن التعليم العالي وكلها قربت بين المناهج وسهلت تبادل الطلاب والأساتذة وخدمت في الجوهر الفكرة الأوروبية التي دخلت الى عقول الجيل الشاب كإطار يوسع من خبراته. ويقيني ان اتحادكم يصبو لإنجازات من هذا النوع ولو انكم تعترفون في الأرجح معي بأننا ما زلنا بعيدين هنا أيضا عن الهدف المأمول. هي تحديات سبعة حاولت التطرق اليها معكم وهي لا تقفل النقاش فيما تعرضت اليه ولا تقلل من أهمية ما لم يسمح لي الوقت بالإلتفات اليه. أنما الأصل السعي والأمل في ان تتوفقون في مؤتمركم بيننا خدمة لجامعة هي الموئل ولشباب هم المستقبل ولأوطان هي في الآن معا موضع الوجع ومدعاة القلق وسبب الرجاء.


PARTAGER :